الصفحة الرئيسية > الأخبار > الأولى > الإسلاميون .. رأس الحربة في الحراك الشعبي المطالب بالتغيير في موريتانيا
الإسلاميون .. رأس الحربة في الحراك الشعبي المطالب بالتغيير في موريتانيا
السبت 4 شباط (فبراير) 2012
تعيش الساحة السياسية الموريتانية منذ أشهر حالة غليان واستقطاب شديدين، فالمعارضة السياسية تكثف من تعبئتها للشعب للثورة على نظام الرئيس الموريتاني الجنرال السابق محمد ولد عبد العزيز الذي أمسك بالسلطة في انقلاب عسكري في 2008 ضد الرئيس المدني سيدي ولد الشيخ عبد الله بعد 15 شهرا من انتخابه في أول انتخابات شفافة في موريتانيا.
ويعتبر الإسلاميون الموريتانيون، وبالتحديد تيار الإخوان المسلمين، رأس الحربة في الحراك الشعبي والشبابي المطالب بالتغيير والديمقراطية ورفض حكم العسكر. وقد استطاع الإسلاميون تحريك الساحة الطلابية ضد النظام، حيث خرج طلاب الجامعة والمعاهد الإسلامية في مظاهرات شبه يومية. كما أصدر المرشد الروحي للإسلاميين الموريتانيين، العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو (عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) فتوى تجيز للشعوب الثورة لتغيير أحوالها ورفع الظلم وإحقاق العدالة، وهي الفتوى التي أزعجت الحكومة الموريتانية لما يتمتع به الشيخ من احترام وثقة لدى غالبية الشعب الموريتاني، فحركت السلطة العلماء الموالين لها للرد على "فتوى" الشيخ والتأكيد على حرمة الخروج على "ولي الأمر".
نشأة الإسلام السياسي في موريتانيا
عرف التيار الإسلامي في موريتانيا قفزة كبيرة في عقد التسعينات من القرن الماضي مستخدما التمويلات الهائلة التي حصل عليها، من مصادر غامضة، في بناء شبكاته وشراء قواعده ومستفيدا من التهاء النظام عنه في الصراع مع المعارضة الديمقراطية، ورغم أن ميوله نحو التطرف - تحت تأثير ما يجري في الجزائر- بدأت تظهر مبكرا إلا أن الضربة النفسية التي تعرض لها سنة 94 بسبب اعتقال قادته وتعذيبهم وعرضهم على التلفزيون وهم يعترفون ويطالبون الرئيس الموريتاني السابق معاوية ولد الطايع بالصفح عنهم، جعلته يحتجب عن الأضواء قليلا في محاولة لإعادة ترتيب صفوفه وبناء قوته من جديد.
ومنذ ذلك التاريخ اتجهت أنظار الإسلاميين نحو الخارج عبر رحلات قادت مجموعة هامة من قياداتهم وقواعدهم إلى السودان واليمن والسعودية وأفغانستان وجنوب لبنان، بينما ركز من بقوا في الداخل على ما يسمونه "العمل الدعوى والنشاط الخيري" هذا في الوقت الذي صعدت فيه مراكز الإسلاميين ومعاهدهم ومؤسساتهم الخيرية من نشاطاتها داخل موريتانيا، ولم تأت بدايات سنة 2000 إلا وكانت موريتانيا قد أصبحت مسرحا لخليط غريب من الأفكار والمسلكيات والفصائل، يكاد يخنق الساحة الوطنية التي ملاها ضجيجا وصخبا.
فمن انتقائية الترابي وبراغماتية الغنوشي إلى جهادية سيد قطب وبن لادن تنتشر ألوان الطيف الإسلامي الموريتاني مشكلة قوس قزح يبدو غير منسجم وإن كان شديد التماسك، يكاد يطبق على الأفق وإن كان بلا جذور على الأرض، يسير باتجاه واحد وإن سلك دروبا مختلفة.
وستتلقف العناصر الأكثر تسييسا في الحركة هذه القاعدة الجاهزة - التي تسير دون هدي عاجزة عن إفراز قيادة موحدة- لتجعل منها مخزونا يشد أزرها في صراعها مع السلطة. وسيبدأ من هنا صراع داخلي على القيادة وعلى الخط السياسي وهو الصراع الذي سيحاط بالسرية الكاملة وسيحسم مرحليا لصالح استمرار الانشطار التكتيكي التقليدي في التيارات الإسلامية: حركة تبشيرية تتحرك تحت ستار الدعوة والتبليغ غير معنية في الظاهر بهم التغيير السياسي، وحركة جهادية تتوغل في رفضها المجتمع والدولة وتعبد طريقها الخاصة للانقضاض عليهما، وحركة الإخوان المسلمين بأجنحتها وتنظيماتها الخاصة.
وتحت مسميات مختلفة من الوسطية والاعتدال سيبدأ الإخوان المسلمون استغلال هذه المجرة الإسلامية وتنسيق نشاطاتها مستخدمين أسلوب الكرسي ذي القوائم الثلاثة: قيادة روحية تحظى بتقدير الجميع، وقيادة سياسية موزعة -على الطريقة الجزائرية- بين جيلين.
عين على السلطة
لن تمر إعادة الهيكلة هذه للحركة الإسلامية في موريتانيا دون أن تخلف آثارا وهي لن تحظى بالإجماع داخل قواعدها. وخلال هذه المرحلة ستغادر ساحة العمل السياسي وجوه بارزة في هدوء مريب لعل من أبرزها الحسن ولد مولاي اعل والداعية محمد ولد سيدي يحيى. وإذا كان الأول قرر توديع الساحة من خلال مقابلة صحفية أظهر فيها وفاءه لأسلوبه السياسوي وكرسها له، فان انسحاب الثاني ـوهو من هوـ فجأة ودون مقدمات مقنعة قد أثار العديد من التساؤلات: هل يتعلق الأمر بنتائج الصراع على القيادة؟ هل هو التقاعد؟ هل هو خلاف على المنهج؟ هل راجع هذا الداعية مواقفه أم أنه لاحظ بدايات انحراف لدى "إخوانه" فقرر النأي بنفسه؟ لماذا لم يعلق الإسلاميون على استقالة أبرز قادتهم وأكثرهم تأثيرا على الساحة الجماهيرية؟
سيكتفي الإسلاميون بإجابة عملية للرد على انسحاب زعيمهم الروحي من النشاط السياسي، فيبدأون إحدى أكبر حملاتهم الإعلامية لتسويق وجه جديد ستملأ أشرطته وخطبه وأحاديثه، بل وعمامته، الفراغ الذي خلفه ذهاب الداعية ولد سيدي يحي، وهنا سيكتشف الإسلاميون في الشيخ الددو ـ وستكتشف الساحة السياسية الموريتانية معهم ـ شخصية كازيزمية هي كل ما كان ينقصهم، بعد أن راكموا الأموال والأنصار واطلعوا على بعض التجارب.
ماذا ينتظر الإسلاميون ـ وهم الممنوعون من حقهم في التنظيم ـ وقد أصبحوا رقما صعبا في المعادلة السياسية؟ أليست السلطة سهلة المنال في ظل نظام "يلفظ أنفاسه الأخيرة" ووجود معارضة ضعيفة ومشتتة؟ ألم يحن الوقت للانقضاض على السلطة والاستيلاء عليها؟
لا يتعلق الأمر هنا بتصور سطحي لمسيرة معقدة، بل يتعلق بأسئلة تلح على كل الحركات السياسية عندما تكون في منعطف طرق، إنها نوع من التعامل مع السؤال التاريخي: ما العمل؟ أي أنها اللحظة الحرجة التي يتقرر عندها مصير الحركة والتي تعتبر المحك الحقيقي لاختبار القيادات القادرة على القراءة السليمة للواقع الملموس، إذ كثيرا ما أخطأ سياسيون محنكون عند هذا المنعرج وكثيرا ما قاد ذلك إلى هدر طاقات ثورية هائلة...!
الخطوة الأولى
أثار نجاح أحد قادة التيار الإسلامي، جميل منصور، في انتخابات أكتوبر 2001 في إحدى بلديات العاصمة نواكشوط حماسا كبيرا في صفوف الإسلاميين خصوصا وأنه جاء متزامنا مع العمليات الاستعراضية التي نفذتها القاعدة في أمريكا، وفي ظل عز الإمارة الإسلامية في أفغانستان واستمرار الترابي في الصمود في السلطة. وعلى امتداد السنوات التالية سيجد الإسلاميون في الحرب على أفغانستان والعراق وفي النضال الفلسطيني مادة خصبة لتجييش أنصارهم وتوسيع تأثيرهم.
وسيشهد جناحهم الإعلامي تطورا ملفتا للانتباه خصوصا على شبكة الانترنت، سيمكنهم من شن حملة بالغة الضراوة على منافسيهم وعلى نظام الرئيس ولد الطايع المنهمك في حل أحزاب المعارضة وسجن قادتها. وفي إجراء مفاجئ قام النظام في النصف الأول من سنة 2003 بحملة اعتقالات واسعة في صفوف الإسلاميين طالت قياداتهم الجديدة وهي في عز تألقها ودون أن ينجح في تقديم مبررات وجيهة لهذا الاعتقال مما أثار موجة غير مسبوقة من التضامن مع المعتقلين ستدفع الإسلاميين إلى تحدي السلطة عن طريق بعض المظاهرات والتجمعات غير المرخصة وإلى تصعيد حملتهم الإعلامية وتشديد لهجتها.
ولن يطول الانتظار كثيرا إذ ستتدخل مجموعة من الضباط لحسم هذا الصراع عبر محاولة يونيو2003 الانقلابية التي ستسفر عن ميلاد ما يعرف ب"فرسان التغيير"، وعن دخول البلاد مرحلة عدم الاستقرار الحالية.
في قفص الاتهام
ستأتي الاتهامات سريعة، على لسان الرئيس الموريتاني حينها معاوية ولد الطايع للإسلاميين بأنهم قاموا بالتحضير للمحاولة الانقلابية وتنفيذها، غير أنها اتهامات لن تلقي كبير اهتمام وسيتم إطلاق سراح قادتهم المسجونين بحرية مؤقتة وسيرمى بالملف جانبا، لكن عندما يعاود الانقلابيون الكرة بعد سنة (في 2004) وهم مدججون بالسلاح من الخارج ستظهر إلى العلن أسماء عناصر إسلامية معروفة أشرفت على تدبير فرار قادة الانقلاب وعلى عودتهم، وستتجه أصابع الاتهام من جديد إلى الإسلاميين ويتم اعتقال بعض قادتهم ليفرج عنهم بعد ذلك في أعقاب محاكمة للانقلابيين وصفت بأنها تسعى إلى نشر مناخ من التهدئة وسيبدو هذا الملف هنا كما لو أنه أغلق، أو ترك في حرية مؤقتة، بالرغم من العديد من التساؤلات التي بقيت معلقة.
بروز السلفية الجهادية الموريتانية
في سنة 2005، بعد سنة طبعها الصراع القوي حول قانون المساجد، سيشكل اعتقال مجموعة من الشباب تلقوا تدريبا على أيدي السلفيين الجزائريين مناسبة لبروز مسألة السلفية الجهادية وستكون الاعتقالات في صفوف الإسلاميين هذه المرة أوسع وسيتعرضون لحملة تشهير أكثر عنفا وإقصاء. وفي الوقت الذي سيحافظ فيه بعض قادة الإسلاميين الذين نجوا من الاعتقال على نبرتهم المعتدلة، ستصعد الأذرع الإعلامية من حملتها وسنكون على موعد مرة أخرى مع حادث مأساوي يأتي هذه المرة من خارج الحدود، إنه "غزوة بدر الموريتانية" أو ما يعرف باعتداء حامية "لمغيطي" العسكرية في ابريل 2005 الذي جاء بعد فترة قصيرة على سرقة مخازن فرقة الدرك الموريتاني على أيدي فرسان التغيير!!
وكانت تلك العملية بمثابة الإعلان الرسمي عن ميلاد جناح متطرف داخل الحركة الإسلامية الموريتانية يتبني العمل المسلح ضد الدولة وأعلن انضمامه لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وتوالت عملياته من قتل 4 سياح فرنسيين في 2007الهجوم على السفارة الإسرائيلية في نواكشوط وقتل 12 عسكريا موريتانيا في منطقة "تورين" بالقرب من الحدود مع الجزائر في 2008 وتنفيذ شاب موريتاني لنفسه أما السفارة الفرنسية صيف 2009، وخطف 5 رعايا إسبان وإيطالييين في 2010 تم الإفراج عنهم فيما بعد دفع بلدانهم لفديات مالية للتنظيم.
التحول الي حزب سياسي
بعد سقوط نظام ولد الطايع بانقلاب عسكري في أغسطس 2005 تولد الأمل لدى تيار الإخوان المسلمين الموريتانيين في الحصول على ترخيص لحزب سياسي يمكنهم من الانتقال من مرحلة العمل السري الحركي الي النشاط السياسي العلني للترويج لخطابهم السياسي المعتدل والتمايز عن التيار السلفي الجهادي الذي يتبني العنف وسيلة لتحقيق أهدافه.
غير أن المجلس العسكري الذي تولي إدارة المرحلة الانتقالية (2005 – 2006) رفض الترخيص لحزب إسلامي لكنه تغاضي عن النشاط السياسي للإسلاميين وقبل مشاركتهم في الانتخابات التشريعية والبلدية كمستقلين، وحصلوا في تلك الانتخابات علي 5 نواب وعدد من البلديات في نواكشوط العاصمة وبعض المدن الداخلية.
وبعد تنصيب أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا، سيدي ولد الشيخ عبد الله، رخص لحزب سياسي لتيار الإخوان المسلمين هو حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)، ودخل الإسلاميون في حكومة ولد الشيخ عبد الله في مايو 2008 وهو ما شكل أول مشاركة سياسية للإخوان في السلطة.
وكان دخول الإسلاميين في الحكومة من بين التبريرات التي ساقها الرئيس الحالي الجنرال محمد ولد عبد العزيز للغرب لتبرير انقلابه العسكري والإطاحة بالرئيس المدني المنتخب زاعما أن الأخير تحالف مع "الإسلاميين المتطرفين". وكان الإسلاميون طرفا نشطا في الجبهة السياسية التي قاومت الانقلاب العسكري ووقفت ضده.
ويرأس حزب الإسلاميين الموريتانيين "تواصل" محمد جميل منصور، ويعتبر الشيخ محمد الحسن ولد الددو المرجع أو المرشد العام للإخوان المسلمين في موريتانيا.
مصادر التمويل
يلف الغموض الكثير من مصادر تمويل الإسلاميين الموريتانيين وإن كان معلوم أن جزءا منها يوفره بعض التجار ورجال الأعمال من منتسبي الحركة، والتمويلات الخيرية القادمة من دول الخليج حيث تنشط المنظمات الخيرية التابعة للإسلاميين في الترويج لخطاب الحزب وفكره من خلال الأعمال الخيرية التي تقدمها لسكان الأحياء والمناطق الفقيرة وهو ما مكن الحزب الإسلامي من الظفر بتعاطف الطبقات الاجتماعية الفقيرة.
المصدر : «رؤية» - رياض الهادي