الصفحة الرئيسية > الأخبار > الأولى > لا تعود الى تضييق الدولة عليها فحسب: أزمة الإعلام في موريتانيا

لا تعود الى تضييق الدولة عليها فحسب: أزمة الإعلام في موريتانيا

الثلاثاء 19 شباط (فبراير) 2013


لا يختلف اليوم بمنزلة و بقيمة السلطة الرابعة في تنمية البلدان بما تمارسه من رقابة وتعرية واقع هذه المجتمعات، بتسليط الأضواء على مواطن الخلل ومنابت التخلف وعوائق التنمية، وبما توجه به الرأي العام من إرشادات وأبحاث تنسج قيم وأهداف هذا البلد أو ذاك .
وفي موريتانيا الدولة الخمسينية انتشرت الصحف وتعددت المحطات التلفزيونية والإذاعية انتشارا واسعا وتحرر الفضاء السمعي والبصري وقد اتعتبرت هيئات حقوقية أن موريتانيا- رغم ضعف إمكانياتها وحداثة تجربتها الإعلامية- أحرزت السنة الفارطة (2012) الدرجة الأولى عربيا، و هو أمر أبهج وزارة الإعلام وأثلج صدور كتابنا بإمكانياتهم وتجاربهم الإعلامية في المحافل الدولية...
ومع ذلك فإننا في هذا المقال الأول نعيد طرح إشكال العمل الصحفي من زاوية أخرى تعتقد أن التجربة الإعلامية في بلادنا رغم ما قدمت ورغم ما عرفته من تحرر مازالت تعيش أزمة بنيوية واسعة وعميقة، ويمكن توضيح مظاهر هذه الأزمة في:
يختزل العمل الصحفي في بلادنا في تتبع سقطات الحراك السياسي في البلد نظاما ومعارضة، فليست الصحف إلا أبواقا للنظام أو للمعارضة في حين أن العمل الإعلامي يجب أن يكون مستقلا وموضوعيا لينقل الحدث نقلا غير مؤدلج، وهو أمر لم يتحقق في يوم من الأيام في صحافتنا الوطنية.
انعدام الصحافة الجادة؛ التي تحلل الأحداث تحيلا يشفي الغليل ويعطي تصورا عن الحدث، فالحدث مكتوب بسطحية لا تمكن من معرفة دقائقه وبلغة مكسرة في غالب الأحيان لا تحترم اللغة ولا تحترم نفسها.
صحافة محلية؛ بمعنى أن الأحداث التي تعالجها الصحف والمواقع الموريتانية أحداث محلية ومرتبطة بقضايا المعارضة والدولة أو بشخصيات لها علاقة بالمشهد السياسي المحلي و لا تولي اهتماما بالحدث السياسي العربي والإفريقي و الدولي ليسهم كتابنا في كتابة تصورات الرأي العام العالمي في عهد القرية الواحدة ويعرف بالتالي بكتابنا وتجربتنا الصحفية بشكل واسع.
غياب التوجيه في هذه الصحافة؛ وهو أمر هام في دولة حديثة التجربة الديموقراطية والتنموية؛ بمعنى أن الصحافة الوطنية يجب أن تشارك في خلق رأي عام وطني مستنير يتبنى استراتيجيات واضحة للوصول للتنمية الشاملة ولتفهم عوائقها وإشكالاتها، رأي عام قادر على بناء دولة المؤسسات وليس دولة الشعارات، يميز بين برامج المرشحين بشكل دقيق وعلمي وموضوعي، يتميز بالولاء للدولة والمصالح الوطنية وليس للقبيلة او الجهة أو الفئة أو المصالح الشخصية...
غياب الريادية الفكرية التي تتنبأ ومن خلال البحوث والدراسات بنتائج المواقف السياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل الإقدام على تبنيها وبذل الجهد والمال والوقت في أعمال قد تكون نتائجها عقيمة وتكاليفها كبيرة أو توجد بدائل وأولويات أحسن منها.
إن مؤسساتنا الإعلامية غير قادرة على تقديم بلادنا بشكل صحيح ودقيق وموضوعي للعالم من حولنا فالصحافة الوطنية غير قادرة مثلا على تقديم إمكانيات بلادنا الاستثمارية للآخر رغم تنوعها وأهميتها؛ لأنها تعيش في أزمة بنيوية وهشاشة مالية كان من مظاهرها ارتباط الصحافة بالسياسة والتزامها في هذا الخط أو ذاك دون أن يكون لها وجودها الخاص.
ومن مظاهر هذه الأزمة مشكل التخصص والمعرفة؛ فأغلب كتابنا الميامين يفتقدون الخبرة الإعلامية الكافية إذ لم يتخرج أغلبهم من كليات للإعلام، وإنما أصبحوا كتابا بناء على مواهبهم الخاصة وجهدهم الشخصي، فيكفي الواحد أن يستخرج رخصة حتى ينتمي إلى أسرة الإعلام.
ومن مظاهر تأثير هذه النقطة أن الصحافة الموالية ليست قادرة على تقديم ما حققه النظام من إنجازات بشكل واضح ومقنع والأمر نفسه واضح في ما تكتبه الصحافة المعارضة، فهي غير دقيقة ولا موضوعية في أغلب الأحيان فيما تكتبه عن أحزابها ولا حتى عن الدولة، فهي غير قادرة على توضيح خطابها السياسي بشكل دقيق، فالرأي العام الوطني لا يعرف الأحزاب السياسية الوطنية بفلسفتها ومبادئها، ولكنه يعرفها بارتباطها بأشخاص لهم مصداقية(ميكاريزمية) معينة في حين أن الأحزاب يجب أن تعرف بقيمها ومبادئها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا تتغير بتغير رؤسائها أو مؤسسيها؛ لأن مناضلي الأحزاب المنتمين إليها يؤمنون بهذه الفلسفة ويتوحدون حولها ويتعهدونها بالنقاش والتحليل والتصحيح كل مرة، بما ينسجم مع رؤيتهم الفكرية والفلسفية والسياسية، وهذا واضح في حزب ولد داداه، حزب مسعود، حزب ولد مولود، ...
والخلاصة أننا يجب أن ندرك أن صحافتنا الوطنية تعيش أزمة كبيرة لا ترجع إلى التضييق عليها من الدولة أو بتضييق الحريات العامة فقد تحررت الفضاء السمعي والبصري للبلد، ولكنها تعود إلى أسباب عديدة ومتنوعة من أبرزها أزمة داخلية من اسبابها ضعف الإمكانيات المادية واللوجستية والارتباط بالسياسة والساسة، والبحث عن فتات موائدهم وتبني آرائهم وتوجهاتهم بما يحول الإعلام إلى أبواق مفضوحة تمجد هذا الحزب أو ذاك مما دفع إلى تماه وتماثل في مواقف أحزاب متناقضة المنطلقات الفكرية والعقائدية.

د. سيدي محمد سيدنا
كاتب من موريتانيا