الصفحة الرئيسية > الأخبار > الأولى > حركة نزوح كبيرة بين باسكنو في‮ ‬موريتانيا وتمبكتو في‮ ‬شمال مالي

حركة نزوح كبيرة بين باسكنو في‮ ‬موريتانيا وتمبكتو في‮ ‬شمال مالي

السبت 26 كانون الثاني (يناير) 2013


مع اشتداد وطأة الحرب أكثر فأكثر على سكان شمال مالي،‮ ‬يترقب العرب والطوارق الأسوأ باعتبار أنهم من سيدفع الفاتورة الأكبر في‮ ‬المحطة الحالية من هذه الحرب،‮ ‬بعد أن تقاسموا ضريبتها الباهظة مع أشقائهم وجيرانهم الزنوج من البمباره والسونغو والفلان‮.‬

‮ ‬فعلى طول الطريق الرابط بين مدينة باسكنو الموريتانية ومدينة تمبكتو المالية،‮ ‬كانت قوافل النزوح وأرتال السيارات تقل مئات اللاجئين الجدد الذين سينضمون إلى نحو‮ ‬60‮ ‬ألف لاجئ‮ ‬يحتضنهم التراب الموريتاني‮ ‬منذ بداية العام الماضي‮.‬
‮ ‬كما أضحت عشرات القرى المنتشرة في‮ ‬المنطقة الفاصلة بين الحدود الموريتانية ومدينة تمبكتو في‮ ‬شمال مالي‮ ‬خاوية إلا من أطلال مهجورة وبيوت خربة وأقفال صدئة‮. ‬وحدهم بعض مربي‮ ‬الماشية ما زالوا‮ ‬يحفظون العهد ويتمسكون بالديار ويتجاهلون ما‮ ‬يحيط بهم من ظروف وإكراهات‮.‬

‮ ‬وتعتبر مدينة لرنب ذات الغالبية العربية والتي‮ ‬تبعد نحو‮ ‬60‮ ‬كلم من الحدود الموريتانية،‮ ‬إحدى أبرز الأمثلة على الوضع الجديد في‮ ‬شمال مالي،‮ ‬فقد هجرها أغلب سكانها،‮ ‬وبقي‮ ‬فيها عدد محدود من الشباب ومربي‮ ‬الماشية‮ ‬يشكون سوء الحال وقلة المال وضغط الظروف،‮ ‬ويعانون أزمة عطش حادة بعد أن توقفت البئر الارتوازية التي‮ ‬كانت توفر السقاية للسكان ومواشيهم‮.‬

‮ ‬أما قرية أراتن ذات الغالبية الطوارقية التي‮ ‬تعودنا على التوقف فيها في‮ ‬رحلاتنا السابقة إلى شمال مالي،‮ ‬فلم نجد فيها هذه المرة من أحد،‮ ‬وقيل لنا إن من كان هناك‮ ‬غادر في‮ ‬الأيام الماضية إلى موريتانيا‮.‬

‮ ‬بعضهم أكد‮ ‬أن القصف الفرنسي‮ ‬وما قد‮ ‬ينجم عنه من إصابات ودمار في‮ ‬صفوف السكان،‮ ‬هو ما دفعهم إلى الهروب بعيدا عن الديار والأوطان،‮ ‬بينما أعرب آخرون عن خشيتهم من إغلاق الحدود بين موريتانيا وشمال مالي‮ ‬إذا ما تطورت الأمور نحو مزيد من الخراب‮.‬

‮ ‬من جانب آخر‮ ‬يخشى الكثيرون منهم أعمالا انتقامية بعد جلاء السلفيين وقدوم القوات المالية،‮ ‬وسط انتشار واسع لأنباء تتحدث عن استعداد ما‮ ‬يعرف بعصابات متهمة بارتكاب مجازر وحشية في‮ ‬صفوف البيض من الطوارق والعرب خلال الحروب التي‮ ‬عاشتها المنطقة في‮ ‬العقدين الماضيين،‮ ‬لإعادة الكرة وتنفيذ أعمال انتقامية ضد البيض‮.‬

‮ ‬ويبدو الطريق الطويل بين باسكنو وتمبكتو‮ (‬نحو‮ ‬400‮ ‬كلم‮) ‬سالكا رغم وعورته وصعوبته،‮ ‬فقوافل اللاجئين تتوالى،‮ ‬وكذا قوافل الهاربين من جحيم القصف الفرنسي،‮ ‬والخائفين من فتنة ذات طابع عرقي‮ ‬بدأت تطل برأسها،‮ ‬على الأقل من خلال الشائعات والأحاديث المتداولة في‮ ‬صفوف السكان‮.‬

‮ ‬ورغم أن مخيم فصالة ليس من أفضل المنتجعات الشتوية لقضاء شهور العسل،‮ ‬فإنه‮ ‬يبقى من أمثل الخيارات المتاحة لعرسان شمال مالي،‮ ‬فضلا عن أن اسم فصالة‮ -‬كما‮ ‬يقول أحدهم‮- ‬ليس أفضل ما‮ ‬يتيمّن به عروسان‮ ‬يرغبان أن‮ "‬يجمع‮" ‬الله شملهما بخير‮.‬

‮ ‬ويبدو المشهد العام معقدا ومركبا هذه الأيام في‮ ‬تمبكتو،‮ ‬فالحرب تطل بوجهها الكئيب،‮ ‬ومظاهر البؤس والفقر والحرمان ماثلة للعيان،‮ ‬وغياب الدولة واختفاء مظاهر السلطة أبرز ما‮ ‬يميز المشهد،‮ ‬وإفرازات ما بعد حركة أنصار الدين وحكمها المثير للجدل حاضرة هي‮ ‬الأخرى في‮ ‬تفاصيل المشهد‮.‬

‮ ‬في‮ ‬أطراف المدينة وتحديدا عند البوابة الجنوبية لمدينة تمبكتو تبدو آثار القصف الفرنسي‮ ‬العنيف الذي‮ ‬استهدف سيارات عسكرية تابعة لحركة أنصار الدين قبل ثلاثة أيام،‮ ‬وكأنها رسالة للقادمين‮: "‬كونوا على حذر فالمدينة في‮ ‬دائرة الاستهداف‮".‬

‮ ‬أما في‮ ‬الطرف الشرقي‮ ‬من المدينة فقد اشتعلت النيران في‮ ‬مخزن كبير للسيارات بمختلف أحجامها وأشكالها،‮ ‬وأدت تلك العملية التي‮ ‬لم تعرف تفاصيلها حتى الآن لإحراق وإتلاف أكثر من عشر سيارات أغلبها رباعية الدفع،‮ ‬ولا تزال النيران حتى الآن تشتعل في‮ ‬بعضها رغم مضي‮ ‬ساعات على العملية‮.‬

‮ ‬وبينما قال بعض السكان إن تلك العملية ناتجة عن قصف فرنسي،‮ ‬إلا أن الشواهد لا تدل على وجود آثار قصف جوي،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعطي‮ ‬مصداقية لرواية بعض سكان المدينة الذين‮ ‬يتهمون مقاتلي‮ ‬حركة أنصار الدين بالمسؤولية عن العملية،‮ ‬وإن صحت تلك الاتهامات فالأمر‮ ‬يعني‮ ‬أن القوم أخذوا قرارا نهائيا بحرق المراكب ومغادرة المدينة بعيدا نحو المعاقل الرئيسية في‮ ‬شمال الشمال‮.‬

‮ ‬ولأن مصائب قوم عند قوم فوائد،‮ ‬فقد كانت تلك العملية بغض النظر عن الجهة المسؤولة عنها في‮ ‬مصلحة عشرات الشباب الذين شاهدناهم وهم‮ ‬ينقضون نهبا وسلبا على ما تبقى سليما من قطع‮ ‬غيار تلك السيارات المحترقة‮.‬

‮ ‬وبين مشهدي‮ ‬القصف والحرائق في‮ ‬الجنوب والشرق تعيش المدينة شقاءها وتناقضاتها الداخلية،‮ ‬فالبيض‮ (‬عربا وطوارق‮) ‬يحزمون أمتعة الرحيل،‮ ‬والسود‮ ‬يترقبون احتفالات النصر والتحرير‮.‬

‮ ‬بشائر فئات كثيرة من الزنوج بمغادرة أنصار الدين وربما بقرب دخول الماليين والفرنسيين لا تخفى معالمها هذه الأيام في‮ ‬تمبكتو رغم الحذر الشديد بسبب عدم وضوح مآلات المشهد بشكل تام لدى كل الأطراف‮.‬

‮ ‬وفي‮ ‬غمرة تلك المشاهد،‮ ‬تبقى مظاهر البوؤس شاخصة أمام عيون الزائرين،‮ ‬فالأطفال منهمكون في‮ ‬التفتيش في‮ ‬مطارح النفايات ومكاب القمامات بحثا عن أي‮ ‬شيء‮ ‬يسد الرمق،‮ ‬أما الكبار فيشكون من‮ ‬غياب التشغيل ونفاد الأقوات ومشاكل التموين وضيق ذات اليد‮.‬

المصدر : العلم