الصفحة الرئيسية > الأخبار > الأولى > من هم الطوارق ..؟

من هم الطوارق ..؟

الأحد 15 نيسان (أبريل) 2012


الطوارق هُم شعب من الرُحل يقطنون في مساحة شاسعة من الصحراء الإفريقية تمتد من غرب موريتانيا إلى تشاد شرقاً، استوطنوا لمئات السنين منطقة الساحل حيث تجوب قوافلهم التجارية منطقة الصحراء الكبرى بهدف الاتجار في التمور والعطور والتوابل والعبيد.

الطوارق هُم مجتمع له سماته عاداته وتقاليده الخاصة، بسبب الطبيعة التي نشأ فيها من ناحية وتعرضه للاستعمار من ناحية أخرى، حيث كانت النبتة الأولى له في الصحراء وامتدت جذوره على حدود بعض الدول، فبلاد الطوارق تمتد من منطقة فزان جنوب ليبيا، ومرورًا بمنطقة الهقار جنوب الجزائر إلى منطقة آيير شمال النيجر وأقاليم أزواد شمال مالي إلى أجزاء من المغرب وموريتانيا .

يقطن الطوارق مناطق تمتاز بأنها الأكثر تصحرًا وجفافًا في المنطقة، بعد أن استطاعوا أن يُكيفوا حياتهم اليومية مع تلك الطبيعة القاسية، ويتأقلموا مع شظف العيش وشح مصادر الماء والغذاء في الصحراء، كما استطاعوا أن يُطوعوا الصحراء ويجعلوا منها ميدانهم المُفضل، فهم خبراؤها والعارفون، فهم يهتدون في قفرها ليلاً بالنجوم، ويعرفون منازلها ومساراتها بدقة فائقة، هذا فضلاً عن معرفتهم الدقيقة بنقاط الماء وأماكنها في الصحراء.

والطوارق شعب قديم يحكم حياتهم نظام عتيق من التقاليد والعادات ورثوها عن أجدادهم، ولديهم إرث قديم من الأدب والعلوم الطبية وعلم الفلك، فهم يتجولون في كامل الصحراء الكبرى باستعمال النجوم ويستعملون في علاج الأمراض الأعشاب والحرق بالنار والجراحة إن اقتضت الحاجة، ولديهم القدرة على التكيف والعيش في الصحراء بما فيها من مناخ قاس وندرة المياه.

فبعد رحيل الاستعمار الفرنسي من منطقة غرب إفريقيا ورسم حدود جديدة في المنطقة، وجد الطوارق أنفسهم مُشتتين بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو الواقعة جنوب الصحراء الكبرى وليبيا والجزائر إلى الشمال.
والطوارق كالبدو في ترحالهم بقوافلهم المُكونة من قطعان الإبل في سائر مناطق الصحراء الإفريقية الكبرى ودول الساحل الإفريقي دون الاكتراث بالحدود بين هذه الدول، ويُطلق عليهم أحيانًا اسم "الشعب الأزرق"، أو "رجال الصحراء الزرق" بسبب ملابسهم التقليدية الذي درجوا على ارتدائها ذات اللون النيلي وعمائمهم التي يستخدمونها أيضًا لتغطية أفواههم.

وعلى الرغم من أن المؤرخين والرحالة العرب القدامى درجوا على تسمية الطوارق بالمُلثمين، إلا أن الطوارق لا يُسمون أنفسهم بهذا الاسم الذي يُطلقه عليهم غيرهم فقط، وإنما يتسمون "تماشق" أو "تمازغ" وهي نفسها عند غيرهم من البربر "أمازيغ" ومعناها "الرجال الأحرار". أما كلمة طوارق العربية، فهي مُشتقة من "تاركة" وهو اسم كان يُطلق على منطقة فزان بليبيا الآن، وهي منطقة كانت ولا تزال أحد أهم أماكن تواجد الطوارق.

وعُرف الطوارق تاريخيًا بأنهم شعب مُقاتل جيد التسليح، فهم يحملون معهم في ترحالهم السكاكين والسيوف والخناجر والرماح، وينقسم الطوارق جغرافيًا إلى:

• طوارق الصحراء: وهم المُتواجدون في الجنوب الجزائري ومنطقة فزان بليبيا، وأهم قبائلهم "الهقار" أو "كل هغار" كما يُسمون هم القبيلة دائماً ببادئة "كل" أي "أهل" أو "بنو"، وأيضًا "كل آجر" في صحراء الجزائر، وبالتحديد بمنطقة جبال الهقار، ثم إيمنغاسن وأوراغن و"كل آجر" في فزان، وسكان مدينة غدامس الليبية عند نقطة الحدود مع كل من تونس والجزائر.

• طوارق الساحل: وهم بالأساس قبائل "كل آيير" بصحراء تنيري، و "كل يلمدن" بمنطقة غاوة بالنيجر، و "كل إيترام" و "كل آدرار" من إيلمدن المتونة و "كل تدمكت" حوالي تومبوكتو ومُنعطف نهر النيجر بمالي، وقبائل أخرى كثيرة مثل "كل أنصار" (الأنصار) و "كل لغل"، و "كل السوق" (التجار) و "كل غزاف" وغيرها في منطقة أزواد وآدرار ايفوجاس بجمهورية مالي.

  • اللغة والدين:

الطوارق مسلمون سنيون على المذهب المالكي مع خليط من العقائد الإفريقية، ولهم نفس هوية سكان شمال إفريقيا ويتحدثون اللغة الأمازيغية بلهجتها الطوارقية، وهي مزيج من لغة السواحلية واللغات الإفريقية، وقد تأثرت هذه اللهجة أكثر بالعربية القرشية مع استضاءة المنطقة بنور الإسلام، وما زال التأثر والتأثير في ازدياد أكثر فأكثر مع تزايد تبني الطوارق للثقافة العربية الإسلامية.

  • الحياة الاجتماعية:

يعيش الطوارق في خيام ولكن جزء كبير منهم يستقر في بيوت طينية، وتعد الخيام مأوى آمن ضد حر الصحراء الصهيب والمناخ القاسي، حيث تصنع من أثواب خشنة تغزل من شعر الماعز أو الجلود وتشد إلى ركائز "أوتاد" يتم تثبيتها بحبال تزرع في باطن الأرض، وقد تغطى حوافها أو تنزل لحد ما إلى الأرض لمنع دخول الأتربة والرمل والعواصف والمطر.

والطوارق شعب فخور ويُحب الاستقلالية، فبحُكم عيشهم في مُحيط قاس طوروا مقاومتهم للطبيعة الصعبة وأعادوا صياغة الأمور التي يصعب التنبؤ بها، ويجعل الإحساس بشرف الأسرة منهم أكثر ضيافة ويعنيهم الإنسان ككل، ويحرص الطوارق على احتساء الشاي بصفته عادة اجتماعية لها طقوسها الخاصة بها إذ يتناولون أكواب الشاي في مجموعات ثلاث .. ثلاث ويكون الشاي مُحلى بطعم النعناع.

ومن الشائع أن توضع طاولة صغيرة في وسط الخيمة لشرب الشاي، وطاولة أطول تخصص عمومًا للضيوف وعابري السبيل، بل هناك الكثير من عاداتهم، فمثلاً عندما تهرع المرأة الطوارقية إلى الخارج وهي تحمل آنية مملوءة بحليب الناقة فهذه علامة على الترحيب بالقادمين، سواء أكان فردًا من العائلة قد جاء بعد سفر، أو ضيفًا عابر سبيل.

ومن الأدوات التي يستخدمها الطوارق الناقة وعقال الجمل، والدلو وأحياناً الشادوف لسحب الماء، وأيضاً البكرة التي تجرها الجمال لسحب الماء من الآبار شديدة العُمق، ويعتمدون على اللبن واللحم والتمر كمواد قديمة في شكل معجون أو مكبوس ويدخرونها للأيام المتجهمة.

وتعد صناعة السيوف - حسب البيئة الصحراوية - إحدى أنواع الحرف التي توارثها الطوارق عن الأجداد، بالإضافة إلى السكاكين الخاصة بذبح الأباعر والشياه في الأعياد والأعراس، وكذلك صناعة الحُلي الفضية الطرقية، من خواتم وأساور وأقراط، وعقود، لها زخرفة مُميزة بالشكل المُثلثي، ومن الحرف الأخرى، صُنع الخيم الطرقية المصنوعة من جلد الأوري، وتلائم طبيعة الصحراء حسب رأي الطوارق، إلى جانب صناعة قفاف الحلفاء، والوسائد، والبسط، وتقوم المرأة الطرقية بهذه الحرف.

  • الملابس والزينة الطوارقية:

على مدار قرون ارتبط الطوارق بتقاليد وعادات منها الملابس، إذ يتلثم الرجال غطاءً للوجه دائمًا عند تجولهم في الخارج، قد يكون هذا التقليد ناتجاً عن الظروف القاسية للبيئة الصحراوية التي يعيشون فيها، ولكن له دلالات ثقافية أكبر، ويُسمى اللثام بـ "تاكلموست" حيث أنه من العيب على الرجل أن يظهر فمه للآخرين، فيُغطي الرجل رأسه بعمامة من القماش الأسود في الغالب، يلفها حول رأسه بإحكام عدة لفات حتى لايظهر من وجهه سوى أهداب عينيه بالكاد، ليرى بهما فقط، وعلى الرجل أكثر من ذلك أن ينام بهذه العمامة، وألا يضعها في وقت من ليل أو نهار، وإذا كشفت لمحة واحدة من وجهه، لظروف خارجة عن إرادته، فتلك الفضيحة التي ما بعدها فضيحة عند الطوارق، وأكثر من ذلك عليه أن يدخل يده من تحت اللثام إذا كان يأكل، وأن ينزوي في مكان مستور إذا أراد الوضوء أو التيمم، ويتحلى الرجال بخنجر أو سيف، ويتفننون في تزيين مقابض سيوفهم وأغشيتها، وقد يُرصع مقبض السيف بالفضة والذهب والأحجار الكريمة وتنحت عليه أسماء مالكيه.

والمرأة عند الطوارق لا تحجب عن وجهها، بينما تعد الخلاخيل وأساور الفضة وعقود الخرز والعقيق الزينة الأساسية للمرأة، وتختلف زينة الفتاة قبل الزواج فإذا تزوجت، وغالبًا من أحد الأقارب، فيحق لها أن تلبس الخلاخيل وبقية الزينة المعروفة للمرأة بشكل عام، وللمرأة الطوارقية مكانة عظيمة لدى الطوارق، وتتمتع باستقلالية كبيرة ولو كانت متزوجة، رغم أن مُعظم شعوب العالم تحولت إلى شعوب أبوية ذكورية ومن بينها أمازيغ الشمال في المغرب والجزائر وليبيا، وأشهر شخصية في تاريخ الطوارق هي امرأة اسمها "تينهنان" وهي زعيمة أسست مملكة هقار.

وعند نشوء تنازع أو تظالم بين شخصين فإن المسألة يتم حلها بسرعة في المجتمع المحلي بعد السماح لكل طرف بالإدلاء بآرائه والدفاع عنها أمام مجلس الشيوخ والمحكمة العامة، وتسند مهمة النطق بالحُكم إلى ما يُسمي بالشخص الأمين أو الزعيم المُسمى "أمنوكال Amnukal" وهو مُماثل لشخصية "أمغار Amghar" لدى أمازيغ الشمال.

  • الثقافة الطوارقية:

وللشعب الطوارقي ثقافة تتكون ملامحها من الفنون والشعر الذي يُؤلفونه وهُم يُسمونه "تيسيواي" والفن القصاصي "تينفوسين" الذي يتميزون به والفن الغنائي "اساهاغ"، وللطوارق ديوانهم الخاص يحكي مفاخرهم، معاناتهم، قصص الحب بينهم، فالشاعر الطرقي "عثمان العثمان" أنشد شعرًا باللغة الطرقية، ترجمه صديقه "لادي حمدان"، تحدث عن مشقة الأسفار بالصحراء وحيدًا، والحنين يشده للأهل والأحبة، وخاطب بعيره أن يوصله لحبيبته، فقال البعير له: "سأوصلك لآخر الدنيا إذا لم تنكسر ساقي.

وفي الفنون تعتبر أشهر آلة موسيقية عند الطوارق آلة تشبه العود أو الجيتار تسمى "التيدينيت" وأخرى وترية أيضاً تسمى "الزركة" وحديثاً آلة القيطارة، ومن أشهر فرقهم "فرقة تيناروين" و "فرقة تاراكفة"، وكذلك يُعد الطبل أحد الآلات الموسيقية، ويتميز بمكانة خاصة عندهم، فقد كان يلعب دور وسيلة إعلام، ويوضع عند خيمة زعيم القبيلة صاحب الحل والعقد فيها ويسمونه "أمنوكل" وتحيط به عادة مجموعة من المساعدين "إيمغاد" أما الرعايا من العامة فيسمون "إيكلان" ويتضح الدور الإعلامي للطبل من نوعية استخدامه، فإن أمر قائد القبيلة بقرع الطبل خمس مرات، فمعنى ذلك أن الحي قرر الرحيل إلى مُنتجع آخر من الصحراء، وإن دوى الطبل عاليًا ثلاث مرات متواصلة سريعة، كان ذلك بمثابة صفارة الإنذار من هجوم وشيك للعدو، وهنالك قرعات للطبل تعني أن ثمة شخصاً تائهاً أو مفقوداً في الصحراء، أو أن عرساً قد بدأ.

ومن المظاهر الأخرى لثقافة الطوارق المُميزة ما يتعلق بأدوات الزينة والسكن والآلات المُستخدمة في الحياة اليومية وفي الفنون الشعبية التي توارثوها ويعتبرونها رموزاً يجب المحافظة عليها وحمايتها من أي "غزو ثقافي" قد يتهددها بفعل موجة "التحضر" العارمة التي تجتاح المنطقة، كذلك تعد طرق حلاقة رؤوس الأطفال ضمن العادات الثقافية المُميزة للطوارق، فهنالك قبائل تحلق رأس الصبي كاملاً باستثناء عرف أي جزء من مقدمة الشعر في الرأس، وهنالك قبائل تترك قروناً من الشعر في طرف الرأس أو طرفيه معاً، على أن هنالك قبائل أخرى تترك العرف والقرون معاً، أو تترك خطًا من الشعر في شكل خط من بداية الرأس حتى نهايته يُسمى "التبيب" عند عرب موريتانيا.

وتعد المرأة أكثر تعلمًا من الرجل، إذ يُصنف أغلب الباحثين الاجتماعيين الطوارق ضمن المجتمعات الأمومية، لأسباب تعود في معظمها إلى جذور قديمة، حين كانت المجتمعات البربرية في المنطقة وثنية قبل الإسلام، وكان الأبناء فيها ينتسبون لأمهاتهم وأخوالهم، بينما الرجل يُهاجر مع أهل زوجته ويُقيم معهم في مضاربهم، واستمر ذلك الحضور القوي لنفوذ الأم في مجتمع الطوارق بعد الإسلام، وقد فرضت طبيعة المجتمع الأمومي للمرأة الطوارقية مكانة تفوق مكانة الرجل، وأتاح لها المجتمع فرصة التعلم أكثر من الرجل، لذلك أصبح معروفًا أن نساء الطوارق أكثر ثقافة من رجالهم، فالمرأة تتعلم على يد أمها وجدتها كتابة لغة "تمشاق"، وهي لغة بربرية غريبة، تكتب من اليمين إلى اليسار، ومن الأعلى إلى الأسفل، كما تكتب من الأسفل إلى الأعلى ومن اليسار إلى اليمين.

تقرير : اتحاد الإذاعة و التليفزيون المصري